الموضوع: مجالس الأنس
عرض مشاركة واحدة
قديم 2019-04-17, 23:01   رقم المشاركة : ( 8 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

l^hgs hgHks

المجلس الثالث..


1

حدّثنا جويشعُ الخوّارُ قال: دخلتُ دمشقَ وليسَ مَعِي دِرهمٌ ولا دينارٌ ، ولمَغصِ

الجُوعِ في بَطنِي وخزٌ كوَخزِ السَّكاكينِ ، وبينمَا أنا أجوبُ شَوارعهَا
بحثاً عن لُقمةِ عَيشٍ أسدُّ بهَا رمَقِي ، إذَا بقصرٍ عَظيمٍ قد تَحلّقَ النّاسُ
حولَ بَابهِ جماعاتٍ جماعاتٍ ، فدنَوتُ مِن أحَدهِم وسَألتهُ عَن أمرهِم
فقال: أذنَ عبدُ الملكِ بن مروان للنّاسِ في الدّخُولِ عليهِ إذنًا خاصًّا ، فدخلَ
شيخٌ رثُّ الهَيئةِ لم يأبهْ له الحَرسُ ، فألقَى بين يدَي عبدِ الملكِ
صحيفةً وخرجَ فلم يُدر أين ذهبَ ، وإذا فيهَا :
" بسم الله الرحمن الرحيم يا أيّها الإنسانُ إنّ اللهَ قد جعلكَ بينهُ
وبينَ عبادهِ فاحكمْ بينهم بالحَقّ ولا تتّبعِ الهوَى فيُضلّكَ عن سبيلِ اللهِ ، إنّ الذين
يضلّونَ عن سبيلِ اللهِ لهم عذابٌ شديدٌ بما نسُوا يومَ الحسابِ ، ألا يظنُّ
أولئك أنّهم مبعوثونَ ليومٍ عظيمٍ ، يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ ، ذلكَ يومٌ
مجموعٌ له الناسُ وذلكَ يومٌ مشهودٌ ، وما نؤخرهُ إلاّ لأجلٍ معدودٍ ، إنّ اليومَ
الذي أنتَ فيهِ لو بقيَ لغيركَ ما وصلَ اليكَ ، فتلكَ بيُوتهُم خاويةٌ بما ظلمُوا ، وإنّي
أحَذّرُك يومَ يُنادي المُنادي احشرُوا الذين ظلمُوا وأزواجَهم ، ألا لعنةُ
اللهِ على الظّالمينَ ، فلا يُطمعكَ يا أميرَ المؤمنينَ في طولِ البَقاءِ ما يظهرُ لكَ
في صحّتِك فأنتَ أعلمُ بنفسكَ ، واذكرْ ما تكلمَ به الأوّلونَ :
إذا الرّجالُ ولدتْ أولادُها
وبليَتْ من كبرٍ أجسادُها
وجعَلتْ أسقامُها تعتادُها
تلكَ زروعٌ قد دنَا حصادُها
قال: فتغيّرَ وجهُ عبدِ الملكِ ، وبكَى حتَّى بلّ طرفَ ثوبهِ ودخلَ دارَ حرمِه ولم تزلْ
الكآبةُ عليهِ ، فنادَى مُنادٍ في المدينةِ أنّ أميرَ المؤمنينَ عبدَ الملكِ بنِ مروانَ قد
جعلَ عشرةَ آلافِ درهمٍ لمنْ يُسرّي عنهُ ، فهذا سببُ ما ترَى من اجتماعِ النَّاسِ حولَ القصرِ .
قال جويشعُ : فلمّا سَمعتُ كلامَ الرجلِ ، فكّرتُ أن أدخلَ في منْ يدخلُ على
أميرِ المؤمنينَ علّي أستطيعُ التّخفيفَ عنهُ وأحظىَ بالجائزةِ ، فتنحّيتُ عن
القومِ غيرَ بعيدٍ وجُلتُ بفكري في ما أحفظهُ من أدبِ الدّخُولِ على الملوكِ وأحسنَ
ما قيلَ في مُخاطبتِهم ، لكنَّ شيئًا من الخوفِ تملّكني فقلتُ في نفسي : إنّك بدخولكَ
على الخليفةِ تغرّرُ بنفسكَ يا جويشعُ فأنتَ تعلمُ أنّ مُصاحبَ السّلطانِ كر*كبِ
البحرِ إذا سلمَ من الغرقِ لم يسلمْ من المخاوفِ ، ومن دخلَ على الأسدِ في غابتهِ
لم يأمنْ من وثبتهِ ، فما شأنكَ أنتَ بعبدِ الملكِ بن مروانَ إذا ضحكَ أو بكىَ ، فالخيرُ
لكَ أن تلزمَ حدّكَ وتعرفَ قدرَ نفسكَ . لكنّي عدتُ الى نفسي وردَعتهَا فقلتُ:
هيهاتَ هيهاتَ لا بدَّ من هذا الأمرِ أيّتُها النفسُ ولو كانَ فيهِ حتفكِ ، فإنّهُ لا يبلغُ أحدٌ
مرتبةً إلاّ بإحدَى ثلاثٍ ، إمّا بمشقّةٍ تنالهُ في نفسهِ ، وإمّا بوضيعةٍ في مالهِ
أو وكسٍ في دينهِ . ومن لم يركبِ الأهوالَ لم ينلِ الرّغائبَ .
وبعدَ ساعةٍ فتحَ الحرسُ البابَ وأُذنَ لنا في الدّخولِ ، فإذا أميرُ المؤمنينَ
بين وزرائهِ وحرسهِ فدنوتُ منهُ لأتمكنَ من رؤيتهِ عن كثبٍ ، فإذا هو ربعةٌ
ليسَ بالنّحيفِ ولا البادنِ ، مقرونُ الحاجبينِ أشهَل، كبيرُ العينينِ ، دقيقُ الأنفِ
حسنُ الوجهِ ، أبيضُ الرأسِ واللّحيةِ .
وبدأَ النّاسُ يتقدّمونَ بين يديهِ الواحدَ تلوَ الآخرِ فما ترَكوا نادرةً غريبةً ولا حكمةً
فريدةً إلاّ ذكرُوهَا ، غيرَ أنَّ ذلكَ كلّهُ لم يُسرِّ عنهُ ، فلمّا صارَ الكلامُ إليّ
تقدمتُ تقدمَ الواثقِ من نفسهِ ، المغترِّ بحفظهِ فلاحظَ عبدُ الملكِ عليّ ذلكَ
فقال: من أنت؟؟
فقلت: أنا جويشعُ الخوّارُ ، قوّامُ الليلِ صَوّامُ النّهارِ ، الزّاهدُ في ما عندَ
النّاسِ ، الطّامعُ في ما عندَ العزيزِ الغفّارِ..
قال : وما عندكَ؟؟
فأسمعتهُ مقالةً كنتُ قد استظهرتهَا قبلَ دخولي عليهِ ، سبرتُ أغوارهَا
وأدركتُ أسرارهَا ، لكنّي لهولِ الموقفِ نكّستُ فيهَا فاختلّتْ معانيهَا
فقلت:
يا أميرَ المؤمنينَ إنّهُ ليُسكتنِي الأنسُ بكَ وتُنطقنِي الهيبةُ لكَ ، وأراكَ تخافُ
أشياءَ آمنُها عليكَ ، أفأقولُ مطيعًا أم أسكتُ مشفقًا ؟؟
فتغيّرَ وجهُه وقال : يا حاجبُ إليّ بالجلاّدِ ..
فدخلَ كائنٌ حيٌّ يزحفُ زحفًا لا تميّزُ لهُ فمًا ولا أنفًا ، يكادُ رأسهُ
يذهبُ بأعالي الأستارِ . فاعترانِي خوفٌ شديدٌ ورجعتُ باللاّئمةِ على نفسِي وقلتُ:
يداكَ أوكتَا وفوكَ نفخَ ، لقد وقعَ ما كنتَ تخشاهُ يا جويشعُ ، لكنْ معَ ذلكَ
لا ينبغِي لكَ أن تستَسلمَ للنّدمِ وتدعَهُ يشلُّ فكركَ ويفلُّ عزيمتكَ فقد علمتَ
أنّ العاجزَ في تردّدٍ وتوانٍ حتّى يهلكَ . فتمالكتُ أمري وقلتُ: أهذا لي
وحدِي أم لكافّةِ من تكلمَ يا أميرَ المؤمنين ؟؟

يتبع...

  رد مع اقتباس