الموضوع: مجالس الأنس
عرض مشاركة واحدة
قديم 2019-03-09, 18:10   رقم المشاركة : ( 2 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

المجلس الأول..
.
.
.
2
قلتُ: فأمهلني حتى أُفكّر
قال: لك ذلك...
فانزويتُ عنهُ ورُحتُ أحدّثُ نفسي . فانتهى بيَ التّفكيرُ الى اختيارِ رأسي
لما يتميّزُ بهِ من صلابةِ عظمِ النَّاصِيةِ . ثمّ عدلتُ عن ذلك وقلتُ:
لئنْ خرمَ السهمُ رأسي كانت إحدى الطّامتينِ الموتُ أو الجنونُ . فاخترتُ
بعد ذلكَ بطني ، ثمّ عدلتُ عن ذلك وقلتُ : كيفَ بك يا جُويشعُ إذا بُقرَ بطنُك وخرجتْ منه أمعاؤُك وكادَ أن يُغمى عليَّ . ثمّ اهتديتُ أخيراَ الى ساقي فالساقُ أهونُ وعظمُها أمتنُ ، لكنّي تذكّرتُ حالَ الأعرجِ الذي لا يستطيعُ قضاءَ حاجتهِ ، فأطرقتُ يائساً من سبيلِ الخروجِ من المأزقِ الذي وقعتُ فيهِ.
ولم أنتبهْ إلآّ على وقعِ صوتهِ المُزعجِ : أيُّ عضوٍ مِنكَ هانَ عليكَ يا خوّارُ؟؟
قلتُ : ليسَ ذاكَ ما يُشغلني يا صديقي..
قال : فماذا يُشغلكَ إذاً ؟؟!!..
قلتُ : فكّرتُ في حالكَ بعدي فخشيتُ أن يُصيبكَ ما أصابَ الرجلَ الذي غدرَ بالتّاجرِ بعدَ إذ أنجاهُ من الموتِ الأكيدِ.
قال : وكيفَ كانَ ذلكَ ؟؟
قلتُ : إنّ العاقلَ لا ينبغي لهُ أنْ يصطفيَ أحدًا ولا يَستخلصَهُ إلاّ بعدَ الخبرةِ
والتجربةِ . فإنَّ منْ أقدمَ على مشهورِ العدالةِ من غيرِ اختبارٍ وتمحيصٍ فبسطَ لهُ وُدّهُ وأفشاهَ سرَّهُ ، كانَ مُخاطراً في ذلكَ ومُشرفًا منهُ على هلاكٍ أو فسادٍ وإليكَ مثالُ ذلكَ :
زعمُوا أنَّ تاجرًا غنيّاَ مرَّ في أحدِ أسفارهِ برجلٍ قد أشرفَ على الهلاكِ بسببِ الظمإِ . فسقاهُ وأطعمهُ وأنسَ بصُحبتهِ . فحدّثهُ عن تجارتهِ وما بسطَ اللهُ عليهِ منَ النّعمةِ والرّزقِ .
فلمَّا سمعَ الرّجلُ ذلكَ وبصرَ بالمالِ والجواهرِ، لعبَ الشيطانُ بأمِّ رأسهِ وحدّثتهُ نفسهُ بالغدرِ، فانتظرهُ حتى نامَ وطعنهُ بخنجرٍ فقتلهُ . ثمّ أخذَ ما كانَ معهُ وانطلقَ في الفلاةِ حتى أدركهُ الليلُ فنامَ .
وكانَ في الزّادِ الذي احتملهُ قطعةُ لحمٍ ، وصادفَ أن كانَ بالقربِ منَ مكانهِ حيّةٌ في جحرٍ ، فوجدتِ الحيةُ ريحَ اللحمِ فخرجت تطلبهُ .
فلمّا استيقظَ الرجلُ مدَّ يدهُ لتناوُلِ اللحمِ فلدغتهً الحيّةُ فماتَ .
قال جُويشعُ : كلّ هذا وشوّاظُ لم يزلْ قائماً منتصبًا كالوتدِ فقلتُ لهُ :
وأنا أخشى عليكَ أنْ يُصيبكَ ما أصابَ هذا الرجلَ .
قال : هيهاتَ هيهاتَ ، فما أبعدَ هذا عن ذلكَ .
قلتُ : كيف ؟؟
قال : ذاكَ رجلٌ أنجاهُ صاحبهُ من الموتِ المحتومِ وأحسنَ إليهِ إذ قاسمهُ طعامَهُ ، فغدرَ بهِ فكانَ حريّاً أن يصيبهُ ما أصابهُ . أمّا عنّا نحنُ ، فأنا الذي أطعمتُك ممّا تشتهي وأمّنتُك ممّا تخافُ ، فإنْ كانَ فضلٌ فهو لي عليكَ وليسَ العكسُ .
قلتُ : فاستبقِني ولا تتعجّلْ في أمركَ ، عسَى أنْ أنفعكَ فإنَّ في العجلةِ النّدامةَ وفي التأنّي السّلامةَ .
وقد قال الحكماءُ : العجلُ بريدُ الزّللِ .
وقديماً قال الشاعرُ :
قد يُدركُ المُتأنّي بعضَ حاجتهِ
وقد يكونُ مع المستعجلِ الزّللُ
قال : كلُّ هذا لا ينفعُكَ ....
يتبع...

التعديل الأخير تم بواسطة محمد تمار ; 2019-03-09 الساعة 18:12

  رد مع اقتباس