الموضوع: مجالس الأنس
عرض مشاركة واحدة
قديم 2019-03-24, 14:28   رقم المشاركة : ( 5 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثاني..


2

قال جويشعُ الخوّارُ:

فاقتطعتُ قطعةً تربُو على نِصفِ الجديِ ، واحتضنتُها
بشدّةِ فما زلتُ أنهسُها وأنهشُها طولاً وعرضاً ، ورفعاً وخفضاً ، حتى لم أترُك
في عظامِهَا للخُنفساءِ قيلاً وِللنّملةِ مقيلاً.
وبعد أن وضعتِ الحربُ أوزارَها ، ودفنَ الفرسانُ في الرّملِ ضحاياهَا وغيّبوا أحجارهَا .
اِلتفتَ إليّ عنترةُ وقال: أمَا آنَ لكَ أن تُحدّثنَا عن نفسِك يا أخَا العربِ؟؟
فقلت : أنا جُويشعُ الخَوّارُ البطلُ الكرّارُ و...
أقصدُ عاشقَ الأسفارِ وجامعَ الأخبارِ ، فهل لي أن أسألكَ عن أمورٍ عسَى أن ينتفعَ بها طالبُ علمٍ لم يحظَ بشرفِ لقائكَ ؟؟.
قال: سلْ ما بدَا لكَ يا جويشعُ.
قلت: حَدّثني عن صفةِ الحربِ والعملِ فيها .
قال: الحربُ أوّلها شكوَى ، وأوسطهَا نجوَى ، وآخرُها بلوَى .
أمّا عَن العَملِ فيها فينبغٍي اجتنابُ الخِلافِ وكثرةِ
الصّياحِ ، فالخلافُ فيها خورٌ ، والصّياحُ فشلٌ ، وينبغي
إعدادُ العيونِ وانتهازُ الفرصِ والمكيدةُ فيها أبلغُ من القوّةِ .
ويجبُ فيها بعدَ ذلك الصبرُ والإقدامُ فقد قالتِ
العربُ : إنّ الشجاعةَ وقايةٌ والجبنَ مقتلةٌ ، واعتبرْ
من ذلكَ أنَّ من يُقتلُ مُدبراً أكثرَ مِمَّن يُقتلُ مُقبلاً.
ـ فتنحنحتُ وعدّلتُ سَيفِي.
قال: والشجاعُ مُوقّى والجبانُ مُلقّى ، وكانَ
العربُ يتمادحُونَ بالموتِ قَعصاً ويَتهاجونَ بالموتِ
على الفرَاش ، ويقولونَ ماتَ فلانٌ حتفَ أنفهِ .

وبهذا المعنى جاء قولُ السموأل :
وما ماتَ منّا سيّدٌ حتفَ أنفهِ
ولا طُلّ منّا حيثُ كان قتيلُ
تسيلُ على حدِّ الظباتِ نفوسُنا
وليسَ على غيرِ السّيوفِ تسيلُ

وينبغي فيها تجنّبُ الكثرةِ التي تؤدّي الى الاتّكالِ
والقلّةِ التي تؤدّي الى الذلّةِ . فقد كنّا في يوم
الفروقِ مائةً فلم نكثرْ فنتّكِل ولم نقلّ فنذِلّ.

قلت : صدقتَ لقد جمعَ اللهُ تباركَ وتعالى تدابيرَ
الحربِ كلَّها في آيتنينِ من كتابهِ العَزيزِ
فقال تعالى : " يا أيّها الذينَ آمنوا إذا لقيتمْ فئةً فاثبتوا
واذكرُوا اللهَ كثيرًا لعلكم تفلحُون وأطيعوا اللهَ ورسُولهُ ولا تنازعُوا فتفشَلوا وتذهبَ ريحُكم واصبرُوا إنّ اللهَ معَ الصابرين ".
قال: وما شأنُ هذا الكتابِ؟..
فحدّثتهُ عن الإسلامِ وما كانَ من أمرِ بعثةِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونزولِ القرآنِ الكريمِ وما كانَ من شأنِ العربِ بعدهُ .
فقال: واللهِ لو عَاصرتُ صَاحبَكم لناصرتُه .
ثمّ قال: فمَن مِن شُعرائِكم ذاعَ صِيتُهُ واشتهرَ حتَّى تردّدَ اسمُه على كلّ لسانٍ؟
قلت: أبو الطيّب المتنبّي.
قال : فما أفخرُ بيتٍ قالهُ ؟

قلت : الخيلُ والّليلُ والبيداءُ تَعرفُنِي
والسَّيفُ والرُّمحُ والقِرطاسُ والقَلمُ

قال : قد أجادَ ، فما أهجَى بيتٍ قالهُ؟
قلت : اعفِني
قال : كَلاّ
قلت : اعفِني
قال : لا بدّ منهُ .
قلت : أستأمنُ إذاً .
قال: قد أمّناكَ..فكرّرتُها فغضبَ وقال: ويحكَ قد أمّناكَ .
ففهمتْ عبلةُ أنّي أعنيهَا فقالتْ: قد أمّناكَ يا جويشعُ .
فقلت: أهجَى بيتٍ قالهُ :

لا تَشترِ العبدَ إلاّ والعصَا معهُ
إنّ العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ

فهاجَ وماجَ وأرغى وأزبدَ …

يتبع..
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
• طَلَّ دَمُ القَتِيلِ : هَدَرَ وَبَطَلَ وَلَمْ يُثْأَرْ بِهِ وَلَمْ تُؤْخَذْ دِيَّتُهُ
• الظُّبَةُ : حَدُّ السَّيْفِ والسِّنَانِ والخَنْجَرِ

  رد مع اقتباس