الموضوع: مجالس الأنس
عرض مشاركة واحدة
قديم 2019-04-04, 16:09   رقم المشاركة : ( 6 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثاني..


3

فهاجَ وماجَ وأرغى وأزبدَ ثمّ قالَ : آهِ لولاَ أنَّ وعدَ الحرّ دينٌ لفصلتُ رأسكَ عن جسدِك.
فقلت : لا عليكَ يا سيّدَ الفوارسِ ، ليَهدأ هائجُك ولتسكُن فورَتكَ فإنّ الاسلامَ قد عالجَ هذهِ المشكلةَ فرغّبَ في عتقِ الرقابِ وجعلهَا من بين الكفّاراتِ حتىأتىَ على الناسِ حينٌ من الدّهرِ لم يعدِ الرقُّ شيئا مذكوراً.
قال : ما أعظمَ هذا الدّين .

ثمّ إنّ شيبوبَ أخا عنترة ـ وكان رجلاً مرحًا ـ لمّا رأى فورةَ عنترة أرادَ أن يلطّفَ الأجواءَ فقال: حَدّثنا عن الجبنِ وفضائلِه يا سيّدَ الجبناءِ.
فقلتُ: لقد تطاولتَ يا شيبوبُ ، وأسأتَ الأدبَ ، وواللهِ لولاَ وجودُ أخيكَ الى جانِبكَ لأريتكَ نجومَ السماءِ في عزّ الظهيرة. ولولاَ بياضُ قلبكَ وحسنُ قصدكَ لما أجبتكَ بغيرِ هذَا ، وأشرتُ الى سَيفي الذي ليسَ بينهُ وبينَ قطعةِ الخشبِ فرقٌ.
ثمّ قلتُ: إعلمْ يا شيبوبُ أنّ العاقلَ يدركُ أنّ لِكلّ أجلٍ كتابًا لا يحيدُ عنهُ قيدَ أنملةٍ ، لذلكَ اطمأنَّ قلبُه عندَ الشَّدائدِ ، وسكنتْ نفسُه عندَ الملمّاتِ وهذا ما جعلَ الإمامَ عليّ كرّم الله وجهَه يقولُ بصفِّين بينَ الصفّينِ :

أيُّ يَوميَّ من الموتِ أفرّْ
يومَ لا يُقدرُ أم يومَ قُدرْ
يومَ لا يُقدرُ لا أرهبهُ
ومنَ المَقدورِ لا يُنجِي الحذرْ

واعلمْ أنّهُ ما سلِمَ إنسانٌ قطُّ من ذُعرٍ قبلَ بَدءِ الاقتتالِ إلاّ أنّ الذّعرَ أشكالٌ وألوانٌ . فأقبحُه ما أطاشَ العقلَ ، وأغاضَ الصَّبرَ ولقد قالَ هشامُ بنُ عبدِ الملكِ لأخيهِ مسلمةَ : يا أبا سعيدٍ هلْ دخلكَ ذعرٌ قطّ لحربٍ أو عدوٍّ ؟
فقال: ما سلمتُ في ذلكَ من ذعرٍ ينبّهُ عليَّ حيلةً ، ولم يَغشنِي ذعرٌ قطُّ سَلبَنِي رَأيي.
قال هشامُ: صدقتَ ، هذهِ واللهِ البسالةُ.

وقد قال عمرُ بن معدِ كرِب وهو كمَا علمتَ من أشهرِ فرسَانِ العربِ: الفزعاتُ ثلاثٌ ، فمنْ كانتْ فزعتُه في رجليهِ فذلكَ الذي لا تقلّهُ رجلاهُ .
فقال شيبوبُ : هذا أنتَ يا جويشعُ ، فضحكَ القومُ جميعًا.

وواصلتُ كلامِي قائلاً : ومنْ كانتْ فزعتُه في رأسِه فذلكَ الذي يفرُّ من أبويهِ . ومن كانتْ فزعتُه في قلبهِ فذلكَ الذي يقاتلُ .
وليسَ الشُّجاعُ هو ذلكَ المستخفُّ بعدوّهِ المعتدُّ بنفسهِ . فالعاقلُ لا يستصغرُ عدوّهُ أبدًا ، فمَن استصغرَ عدوّهُ اغترَّ بهِ ، ومَن اغترَّ بعدوّهِ لم يسلمْ منهُ . إنّمَا رجلُ الحربِ هو ذاكَ الذي إذا كشفتْ الحربُ عن ساقٍ شاورَ الشُّجعانَ منْ أولِي العَزمِ ، والجُبناءَ من أولي الحزمِ ، ثمّ خلّصَ مِن بينِ الرأيينِ نتيجةً تحمِلُ عنهُ مَعرّةَ الجبانِ وتَهوّرَ الشُّجعانِ فتكونُ أنفذَ مِن السَّهمِ الزّالجِ والحُسامِ الوالجِ .

ولقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : (ليسَ الشديدُ بالصّرعةِ إنمَا الشديدُ
الذي يملكُ نفسَه عند الغضبِ) .
وقال صلّى الله عليه وسلّم: (الحربُ خدعةٌ) .

وأوصَى المهلّبُ بنيهِ فقالَ: عليكمْ بالمَكيدةِ فإنّهَا أبلغُ من النَّجدةِ .
والعاقلُ يسألُ اللهَ العافيةَ ويتوخّاهَا ما أمكنهُ ذلكَ ، لأنَّ النَّفقةَ في القتالِ من الأنفسِ . فإذا لم يجدْ بُدًّا منهُ أبلَى بلاءَ من لا يرغبُ في العَودةِ الى الحياةِ الدنيَا.

قال الشاعر:
ولا أتمنّى الشرَّ والشرُّ تارِكي
ولكنْ متَى أُحملْ على الشرِّ أركبِ
ولستُ بِمِفراحٍ إذا الدَّهرُ سَرّني
ولا جَازعٍ مِن صَرفهِ المُتقلّبِ

يتبع...

  رد مع اقتباس