منتديات الشامل      


العودة   منتديات الشامل - > القسم الأدبي > فضاء الشعر الفصيح بأنواعه > الأخبار الأدبية
التسجيل   البحث

بهي الدين عوض في مجموعتين قصصيتين بقلم: أ. د. حسين علي محمد الأديب بهي الدين عوض واحد من كتاب الستينيات الذين لم يأخذوا فرصتهم في حياتنا الأدبية الصاخبة إلا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 2009-10-29, 07:11   رقم المشاركة : ( 1 )
د. حسين علي محمد

أمـــل الشامل


الصورة الرمزية د. حسين علي محمد





علم الدولة Egypt



د. حسين علي محمد غير متصل

بهي الدين عوض في مجموعتين قصصيتين

بهي الدين عوض في مجموعتين قصصيتين

بقلم: أ. د. حسين علي محمد

الأديب بهي الدين عوض واحد من كتاب الستينيات الذين لم يأخذوا فرصتهم في حياتنا الأدبية الصاخبة إلا في الثمانينيّات، التي شهدت صدور روايتين له وثلاث مجموعات قصصية، هي: «الفارس الآتي إلينا» (1984م)، و«سنوات الحب والموت» (1988م)، و«ثأر الموتى» (1988م).
ولأن المجموعة الأولى(1) تضم عادة التجارب البكر، فسندعها جانباً، ونتوقف أمام المجموعتين التاليتين لها:
*سنوات الحب والموت(2):
تضم هذه المجموعة رؤى ومشاهد تتعلّق بأدب الحرب، وقد صدرت في سلسلة «أدب أكتوبر» التي تنشرها الهيئة المصرية العامة للكتاب شهرياً، وتقدم فيها القصص التي كتبها الأدباء المقاتلون عن الحرب.
ومن الملاحظ على قصص بهي الدين عوض في هذه المجموعة ما يأتي:
*اهتمامه العظيم باللغة، فهو يكتب وفي ذهنه صورة لأسلوب الأديب البارع يُحاول أن يطبقها في أسلوبه، ومن ملامح هذا الأسلوب حشد أكبر قدر من النعوت. يقول في صدر قصة «أقدام على الطريق»:
«قيظ الصحراء شديد، وأنفاس الرمال ساخنة، وأقدام الجنود الواهنة تزحف على الصحراء الشاسعة المترامية، وبقايا جماعات من المدنيين المثخنين بالجراح تسير في يأس قاتل. رجال أغرقهم العرق، ونسوة شاحبات منهكات القوى، طاعنات في العمر أخذن يسحبن أرجلهن الكليلات بصعوبة، ومنهن اللاتي في شباب نضر أذبله قفر الصحراء، وجماعات من الجنود: منهم الذي يحمل السلاح، ومنهم حافي القدمين الذي يُعاني الجراح. المرارة تسكن القلوب، واليأس يطل من عيونهم ونظرات تائهة شاردة»(3).

*والشغف باللغة والاستغراق في جماليات الأداء في القصة يدفع القارئ دفعاً إلى الانصراف عن الفكرة المحورية أو الموضوع الرئيسي للقصة(4).
ولقد دفعه الاهتمام باللغة إلى تكديس قصصه بالرؤى والمشاهدات عن الحرب، وهذه الرؤى والمشاهدات لا تستجلي العالم السري للمرئيات والمشاهدات، لأنها تستعمل لغة شعرية مجنحة قادرة على التهويم، لكنها ليست قادرة على ربط كل هذه الجزئيات الصغيرة والتفصيلات الكثيرة والحكايات الممزقة التي تغص بها هذه المجموعة.
فمثلاً القصة الأولى في المجموعة، وهي أضعف القصص تكويناً وفنا، تضم مشاهد مختلفة ورؤى متناقضة لجندي راجع من الميدان:
«إن كل جندي يحكي تجاربه، وكل شخص منا له قصة أغرب من الخيال»(5). وهذه القصص الغريبة والحكايات النادرة لن تستطيع أن تقدم لنا قصصاً مكتملة.
واتساع الأحداث وتداخلها ـ عند بهي الدين عوض في هذه المجموعة القصصية ـ لا تسلم منه إلا قصة واحدة، هي «أغنيات الدم» ولعلها تفتح آفاقاً جديدة عنده لفن القص، حيث يفيد من مقدرته اللغوية، وولعه بالأداء الجميل ومهارته في التصوير، فتقترب القصة في تكثيفها من عالم الشعر، ولعلها القصة الوحيدة في هذه المجموعة التي يمتزج فيها العالم الموضوعي بالعالم النفسي في فنية متألقة، تجيد توظيف كل كلمة في سياقها من خلال القصة القصيرة. إذ من الملاحظ على قصص بهي الدين عوض أنها ـ بكثرة أحداثها وكثرة شخوصها ـ تقترب من فن الرواية بقدر ما تبتعد عن فن القصة القصيرة، وإن كنا نلحظ في هذه القصة أن ولعه بجمال التعبير يوقعه في أخطاء تعبيرية، يقول: «يلوح الفجر في الأفق، تلد تباشيره النور، توقظ العصفور في بطن الشجر، تندّى بساط الحقول الخضراء»(6).
ولعله لو قال «توقظ العصافير مع ضوء الشمس» لكان أفضل.
وقصته «أغنيات الدم» تسوقنا إلى ملاحظة هامة على نتاج بهي الدين عوض في القصة القصيرة والرواية، وهي أنه يتسم بالحذر من الاقتراب من الأشكال الجديدة، ورغم أن هذه القصة تجعلنا نطلب منه أن يقترب من «القصة القصيرة جدا» حتى تُنقذ فنه من التطويل، وتعدد الأحداث والوقوع في براثن اللغة.
ـ تقول الفقرة التعريفية التي نشرت على غلاف هذه المجموعة (ويشي أسلوبها بأن بهي الدين عوض هو كاتبها):
«تتناول هذه المجموعة القصصية في تتابع زمني الحروب التي خاضتها مصر منذ حرب القناة عام 1956م، حتى حرب أكتوبر المجيدة، وما حققته هذه الحروب من انتصار عسكري ملحمي كشف عن السجايا العظيمة التي يتحلى بها هذا الشعب في المواقف الحاسمة من تاريخه القومي، كما توضح هذه المجموعة محاور البطولة وأبعادها السياسية والاجتماعية ومناخها الإنساني لتؤلف من سنوات الكفاح المصري القيمة الحضارية التي تحتلها مصر في وجدان أمتها العربية. وأحداث القتال واقع حقيقي يرويها المؤلف من قلب المعارك، لهذا يمتزج فيها الحلم بالدم، والأمل بالنار، والأهازيج بدوي المعارك، والحب بالموت»(7).
ونلاحظ في العبارات السابقة ميله إلى الوصف، فاستعمل أربعة عشر نعتاً في تسعة أسطر.
والمفهوم الذي يتبنّاه بهي الدين عوض لأدب الحرب جنى على هذه المجموعة، حتى أصبحنا نرى الحكْي عن الحرب سمة سائدة. يقول في قصة «ثم ساد الرحيل»:
«قفزت مجموعة إسرائيلية على مصفحاتهم (كذا)، وحاصرونا بمدافعهم، ثم اقتادونا إلى الشاطئ، وهناك وجدنا عدداً كبيراً من الجنود المصريين محاطين بالأسلحة الإسرائيلية، وما أن اقتربنا منهم حتى تقدّمت نحونا مجموعة منهم في عيونهم شر مستطير، وأخذونا الواحد تلو الآخر، ثم جرّدونا من ساعاتنا ونقودنا، فاعترض حسان، وحاول منع الإسرائيلي فهوى جندي طويل القامة شرس النظرات بقبضة رشاشه على ظهر حسان، فسدّد إليه نظرات نارية، وانقض عليه، وقبض على عنقه، فتدافعت نحوه شلة (كذا) من الجنود الإسرائيليين، وخلّصوا من يديه الإسرائيلي، ثم التفوا من حوله وألقوه أرضاً، وصوّبوا إليه رشاشاتهم، وراحوا يُطلقون عليه النار حتى مزّقت الطلقات جسده، وحطّمت رأسه، وأصبح حسان كتلة من اللحم الممزق المعجون بالدم الأحمر القاني.
فانتابتني قشعريرة حادة، وهممت أن أنزع الخوذة من رأسي وأدق بها أعناق السفاحين، فجذبني من يدي جندي مصري وهمس في أذني:
ـ صه، بقدر حروف الكلمات يكون الرصاص.
ودفنت ثأري في صدري المتلظي بالغضب، ووقفت أمام الإسرائيليين بركاناً يغلي من الأعماق»(8).
هذا النص كان من الممكن أن يوظف في عدة قصص قصيرة تتناول:
ـ الحصار الإسرائيلي لمجموعة من المصريين.
ـ اهتمام الإسرائيلي بالسلب.
ـ مقاومة حسان.
ـ عدم إظهار المشاعر خوفاً من الموت.
لكن انسياق المؤلف وراء الوصف وتكديس المشاهد، وولعه باللغة وجزالتها، الذي يجعل صديقه المحارب ينطق «صه» اسم فعل الأمر، بدلا عن «اصمت» أو «اسكت» يُفقدنا ثراء أدب الحرب وصدقه، ولا يُطلعنا إلا على أمشاج رؤى لم تكتمل.
ويقودنا هذا النص مع فقرات الختام التي كتبها على الغلاف الخلفي وأثبتناها سابقاً ـ لنقد مفهوم شائع نراه خاطئاً، يتبنّاه بهي الدين عوض عن أدب الحرب، وهو أنه الأدب الذي يصور المعارك، فوقف قصص المجموعة لتطبيق هذا المفهوم، ووقعت في براثن هذا التصور، بينما نرى أن أدب الحرب الحقيقي هو الذي يصور أي ملمح من ملامح الحياة متأثراً بجناية الحرب، ولعل القصة التي استطاعت أن تفر من هذا التصور هي قصة «الوسام»، وهي قصة عن الحرب، برغم أنها لا تصرخ ولا تُطنطن!
في قصة «الوسام» نرى بطلاً من أبطال أكتوبر تقلد وساماً لبطولته يخرج إلى الحياة العملية بعد انتهاء الحرب، فيُواجه بعالم ما بعد الحرب متجسداً في الشركة الحكومية التي يعمل فيها، ويرى نهب مصادر الشركة يقوم به المدير وأعوانه، ويُحاول أن يُواجه المدير، ولكنه لا يجد من العاملين معه إلا التخاذل وضعف الهمة، والاتكالية، و«دع الخلق للخالق يا مدحت!»، ويكون وسامه دافعاً له كي يستمر بطلاً من أبطال أكتوبر في موقعه الجديد، فيواجه قوى لا قبل لبشر بها، وكأنه في ساحة جديدة تحتاج إلى أبطال ومواجهة، وما أجدر أبطال أكتوبر بخوضها!.
وهي قصة جيدة، لولا أن معمارها الفني يقترب من فن الرواية بقدر ما يبتعد عن فن القصة القصيرة! حيث شهدنا فيها مشاهد ومواقف وأحداثاً تؤهلها لأن يعيد كاتبها صياغتها في رواية قصيرة.
ورغم أن لغة بهي الدين عوض القصصية عموماً لغة عالية، لكني لا أدري كيف أفلتت منه بعض الأخطاء الإملائية والنحوية والأسلوبية التي أرجو منه أن يتلافاها في الطبعة القادمة.
وفي نهاية عرضنا لهذه المجموعة نقدم ملاحظتين للمؤلف:
أولاً: هناك «مشهد» في ص82، 83 من الممكن أن يكون وحدهُ قصةً قصيرةً ناجحة، فلماذا الاستطراد والتطويل؟
ثانياً: قصة «ذو الوجه القزحي» لماذا لم تقدم لنا حكاية واحدة بدلاً من هذا الفيض ذي القصص المتناثرة؟
(يتبع)
الهوامش
(1) صدرت على نفقة المؤلف عن مطابع جامعة الزقازيق 1984م، في 90 صفحة من القطع المتوسط.
(2) صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1988م.
(3) السابق، ص7.
(4) د. سيد حامد النساج: الحلقة المفقودة في القصة القصيرة المصرية، سلسلة «كتابات نقدية» العدد (1)، الثقافة الجماهيرية، القاهرة 1990م، ص 68.
(5) بهي الدين عوض: سنوات الحب والموت، ص11.
(6) السابق، ص64.
(7) السابق، يُنظر الغلاف الخلفي.
(8) السابق، ص24 ، 25.
............................
*من كتاب «جماليات القصة القصيرة»، لحسين علي محمد ، ط1، الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة 1996م، ص فما بعدها.

سجل اعجابك بصفحتنا على الفيسبوك 

  رد مع اقتباس
قديم 2009-10-29, 07:14   رقم المشاركة : ( 2 )
د. حسين علي محمد

أمـــل الشامل


الصورة الرمزية د. حسين علي محمد





علم الدولة Egypt



د. حسين علي محمد غير متصل

بهي الدين عوض في مجموعتين قصصيتين (2 ـ 3)


بقلم: أ. د. حسين علي محمد

*ثأر الموتى:
تضم المجموعة الثالثة لبهي الدين عوض اثنتي عشرة قصة قصيرة، كُتبت تسع منها في عام 1985م، والثلاث الأخريات: اثنتان منهما كُتبتا في عام 1984م، هما «عندما تعلو هامات الرجال» و«بقايا شجون». أما القصة الثالثة فهي أولى قصص المجموعة وتحمل عنوان «أحزان الشتاء والمطر»، وتنتمي إلى عالم المجموعة القصصية الأولى «الفارس الآتي إلينا» (1984م)، إذ أنها مكتوبة في عام 1972م.
وفي هذه المجموعة نرى بهي الدين عوض مغرماً بإبراز الجانب النفسي للشخصية التي تقوم بدور البطل، فنراه في معظم قصص هذه المجموعة يعتمد أساساً على رسم صورة نفسية للبطل، يجتهد ليجعل منها نموذجاً إنسانيا من خلال موقف متطور نام، يسعى من خلاله لتحقق شخصياته ـ التي أصبحت مكتملة، متفردة، بسيطةً ـ نفسَها في هذه الرقعة الصغيرة من القص، ويسعى أيضاً أن يكون له بصمته غير المتكررة فينجح أحياناً، ولا يُوفق في أحيان أخرى. وهو في هذه المجموعة تلميذ مخلص للكاتب القصصي النادر إبراهيم المصري (الذي لم يأخذ حقه بعد من الدراسة الأدبية والنقدية، رغم ريادته لهذا اللون في القصة المصرية القصيرة، ورغم رحيله منذ فترة عن عالمنا).
سأتوقف أمام نموذج من هذه المجموعة اخترته بعناية بعد قراءة هذه المجموعة.
القصة بعنوان «بدء التكوين الآخر» بطلتها «نعيمة» «اشتد عليها المرض ولا أمل في شفائها » (1).
إن بهي الدين عوض يحلل علاقة «نعيمة» بالآخر من خلال علاقتها بـ«نبوية»، ويسير الهيكل المعماري للقصة مجسداً هذه العلاقة من خلال رصد العلاقة بين «نعيمة» و«نبوية».
«نعيمة هذه كانت رفيقة صباها في القرية، ولكنها كانت رفقة الألم والمعاناة»(2)، وكأنها قضية تحتاج إلى رصد الوقائع وتقديم الأدلة، فنرى بعد الجملتين السابقتين: «كانت نعيمة بين أترابها درة الجمال وأنشودة الغزل، إذا سارت التهمتها العيون، وإذا تحدّثت مع أي من الشباب والرجال، يشعر كأنه نال كنوز الدنيا كلها»(3).
ثم يحلل موقف هذه الجميلة المحبوبة من «نبوية» التي لم ترزق مثل حظها من الجمال «كانت تُعايرها بقبحها، وتتندّر بها بين فتيات القرية، فتسميها «عود الحطب» .. »(4).
تزوّجت «نعيمة» بالطبع قبل أن تتزوّج «نبوية»، ويرصد الكاتب هذه العلاقة من خلال رؤية «نبوية»:
«تذكرت عرس «نعيمة» الذي خرج من هذا المكان. إنها ذكريات هذا اليوم البعيد، يوم خرجت القرية تُغني لجمالها، و«نعيمة» في ملابس عرسها تتهادى على إيقاع ضربات الطبول، ووجهها ممتلئ بالنعيم .. وسهام النظرات تطوقها من كل مكان»(5).
وسارت حياة «نعيمة» بعد الزواج سيراً مأساويا «قضت «نعيمة» على رجلها وزوجها سيد هذا الدار (كذا) .. عظيم الثراء، الذي كان يهيم بها حبا وهي لا تبالي، باع كل ما عنده. خسر الأهل والأقارب .. فقَدَ كل الناس من حوله من أجلها .. ومع ذلك قهرته .. كانت تقهره في كل يوم مرة حتى اختل عقل الرجل .. وسقط صريع الجنون ثم مات .. وترك لها الدار بما فيها»(6).
يكشف هذا الوصف عن طبيعة «نعيمة»:
أ-فهي قاتلة: «قضت على رجلها … قهرته … كانت تقهره في كل يوم مرة حتى اختل عقل الرجل … وسقط صريع الجنون».
ب-ومتسلطة: «كانت تقهره في كل يوم».
ج-وعديمة الشعور والأحاسيس، وبلا وجدان: «كان يهيم بها حبا وهي لا تبالي».
كما يكشف بالقدر نفسه عن رؤية المؤلف / الرجل، للرجل الشرقي الذي يريد أن تكون زوجته أمة عنده أو خادمة له «سيد هذا الدار (كذا) .. عظيم الثراء، الذي كان يهيم بها حبا».
وبعد أن قضت نعيمة على زوجها لم تتزوج، وعاشت وحيدة، مزهوةً بجمالها، مطلوبة من الرجال، مكروهة من النساء.
ومرَّ عليها الزمن حتى صارت جثةً لا تستطيع الحراك، ويُقدم القاص ذلك من خلال تصويرين: تصوير رمزي، وتصوير حسي، وكان من الممكن أن يكتفي بتصوير واحد.
التصوير الرمزي ـ وكان من الأفضل أن يكتفي به ـ يقول: «سارت حتى تراءت لها دار نعيمة .. الدار التي لم تزرها منذ سنين، بدت قديمة متآكلة، تتصدرها شجرة توت تعرّت من سندس ردائها، وغراب كالح اللون ينعق فوق شرفة البيت الخشبية التي تراكم عليها الغبار، وقفت وراحت تتأمل الأشياء أمامها، ثم قرعت باب الدار، فلم يرد عليها أحد، وظلت تقرع الباب إلى أن جاءها جارها وهو يقول:
ـ شدي حبل الباب، لأنها لا تستطيع الخروج.
جذبت الحبل الكالح فانفتحت الدار واسعةً صامتةً، ولا حركة فيها، ولا أثر لأحد.
أوصدت الباب برفق. استقبلتها العناكب في حنايا الدار كلها .. اندفعت فئران راحت تهيم في الفناء الواسع، وتنزلق داخل الشقوق والحنايا المهترئة»(7).

وهذا الوصف معبر وجميل، وكل كلماته مشعة موحية بأية حياة فقيرة خاوية كانت تحياها نعيمة:
ـ فالدار قديمة متآكلة.
ـ وشجرة التوت تعرّت من سندس ردائها.
ـ وغراب كالح اللون ينعق فوق الشرفة التي تراكم عليها الغبار.
ـ والدار بلا صوت مؤنس.
ـ تستقبل الزائر أعشاش العناكب والفئران.
فأية صورة معبرة عن الوحدة والخواء أكثر من هذه الصورة؟
ـ التصوير الحسي: لكن القاص لا يتركنا نتمتع بهذه الصورة الموحية، فيردفها بصورة حسية بعد سطور قليلة من المقطع السابق «.. فأتاها الرجال يطلبون يدها، ولكنها أعرضت عنهم … وظلت سادرة في تجبرها وتسلطها وسيرتها السيئة، فتركها الرجال، وكرهها الناس، وشمتت فيها النساء، ثم أتاها الزمن (كذا) فعاشت بلا رجل ولا ولد»(8).
ومن الملاحظ أن هذه الفقرة أقل شاعرية وأقل تكثيفاً، وأكثر تقريرية، ولم تُفِد بناء القصة، بل أضافت لنا «معلومة» عن عدم زواجها، رغم جمالها.
وتحدث المواجهة بين «نعيمة» و«نبوية» في نص مذهل من حيث تكوينه وتناسقه، ولذا آثرنا أن نسجله هنا كاملاً:
«سمعت «نبوية» أنيناً يصدر من داخل حجرة موصدة .. ازداد خوفها .. فتوقفت .. علا الصوت بكاءً وأنيناً، خشيت أن يكون حدث في الأمر شيء.
فتحت الباب .. استقبلتها حجرة خافتة الضوء .. يرقد في ركن منها سرير .. وعلى الجانب الآخر على الحائط الكالح اللون مرآة صدئة، وقفت أمامها «نعيمة» تنظر إليها باكية العينين، همست في أذنها:
ـ أنا نبوية يا نعيمة.
اهتز جسم «نعيمة» كلها، وأدارت لها وجهها، ويا هول ما رأت. الجمال الباهر قد خبا .. الوجه تغضّن .. الجسم الفاره الغض جف منه الرواء، ولم يبق منه إلا الجلد على العظم. ترنح جسم «نعيمة» فوق قدميها .. سحت الدموع من عينيها، وألقت بجسمها على صدرها فاستقبلتها «نبوية» بين ذراعيها، وراحت هي الأخرى تذرف الدموع .. وتُربِّت بيد حانية على ظهرها .. وتبكي حتى غاب الاثنان في بكاء طويل.
تقرفصت «نعيمة» أمامها عارية من أي جمال، وقالت بصوت متصدِّع:
ـ سامحيني يا نبوية.
ردّت «نبوية» وهي غارقة العينين في الدموع:
ـ على أي شيء أسامحك يا «نعيمة»؟
قالت وهي تتنهّد:
ـ على ما حدث مني لك في الماضي.
فهمت «نبوية» ما تعنيه، فقالت:
ـ لا تُذكِّريني بشيء.
همّت «نعيمة» أن تُقبِّل يدها، فسحبت «نبوية» يدها برفق، وقالت وهي تطبع على رأسها قبلة:
ـ أنا مسامحة .. أنا مسامحة.
أدارت «نعيمة» وجهها إلى المرأة، وتأمّلت عينيها ووجنتيها وشفتيها وشعرها الذي خطه(9) الشيب، فقالت بنبرة آسفة:
ـ لم يبق في وجهي شيء.
أتت «نبوية» بقطعة من القماش .. وغطّت بها المرآة .. وقالت وهي ترسم ابتسامة على وجهها:
ـ تبقى الروح يا نعيمة.
رمقتها «نعيمة» بنظرة طويلة، ثم تساءلت:
ـ كيف يا نبوية؟
قالت بصوت ممتلئ بالحنان:
ـ حاولي أن تنسي كل شيء مضى.
تاهت النظرات في عيني «نعيمة» فتساءلت بدهشة:
ـ أنسى كل شيء؟!
وغامت عيناها وشردتا في فكر طويل، ثم سعلت وانتفض جسمها كله حتى علا وجهها شحوب ولغوب(10). ضمتها «نبوية» إلى صدرها، ومسحت شفتيها بمنديلها … ووسدت رأسها على سريرها(11)، وأعدّت لها كوباً من عصير الليمون، وراحت تسقيها قطرة قطرة، وهي تحتوي رأسها بين ذراعيها.
وجعلت تقص عليها حكايات بيضاء عن قريتها، ناسها، سكانها، عجائزها. كل ما فيها طيب، وتنثر من الحين للحين النكات والنوادر والأحاجي، وراحت «نعيمة» ترسم على وجهها الابتسام بصعوبة بالغة، فتهلل وجه «نبوية» بشراً، وقالت:
ـ الابتسامة تضيء وجهَك يا نعيمة.
ردّت وهي تنزع الكلمات من أعماقها:
ـ إنها أول مرة أبتسم فيها منذ سنين.
نحّت نبوية القماش عن المرآة، وقالت:
ـ الآن .. انظري وجهك في المرآة يا نعيمة.
اتسعت الابتسامة على وجنتي «نعيمة»، وشع بريق لامع من عينيها.
فتحت «نبوية» نافذة الحجرة المغلقة، هبّت نسمات ندية، تسلّل نور الشمس يرسم دوائر بيضاء في حنايا الحجرة كلها»(12).
ولقد أحسن القاص في نهاية قصته، حيث جعل بطلته تعود إلى الحياة، وتعود إليها الحياة بواسطة (الآخر) الذي هو مشارك، وبنّاء، وفاعل، وليس البطل / الضد «نبوية».
..............
الهوامش:
(1) بهي الدين عوض: ثأر الموتى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1988م، ص57.
(2) السابق، ص57.
(3) السابق، ص57.
(4) السابق، ص58.
(5) السابق، ص58.
(6) السابق، ص59.
(7) السابق، ص 58، 59.
(8) السابق، ص59.
(9) الصواب «وُخِطَ» بالشيب، وخط فلان: شاب رأسه، فهو موخوط، المعجم الوسيط، ط2، القاهرة، دار المعارف، القاهرة 1983م، ج2، مادة (وخط).
(10) وصف الوجه باللغوب غير مناسب، لغب لغباً، التعب. أما اللغوب فهو الضعيف الأحمق، أو هو الحمق (تُراجع (لغب) في «المعجم الوسيط»).
(11) الصواب: وسدت السرير رأسها، أو توسدت السرير (تراجع مادة «وسد» في «القاموس المحيط»، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت 1407هـ-1987م، ص415ـ416.)
(12) بهي الدين عوض: ثأر الموتى، ص ص60-63.
(يتبع)

  رد مع اقتباس
قديم 2009-10-29, 07:17   رقم المشاركة : ( 3 )
د. حسين علي محمد

أمـــل الشامل


الصورة الرمزية د. حسين علي محمد





علم الدولة Egypt



د. حسين علي محمد غير متصل

بهي الدين عوض في مجموعتين قصصيتين (3 ـ 3)
بقلم: أ. د. حسين علي محمد

وبعد قراءة المجموعة الثانية، يُمكننا أن نسجل عدداً من الملاحظات:
الأولى: استحصدت موهبة القاص بهي الدين عوض في هذه المجموعة، وطوّر كثيراً من أدواته التي عرفناها في مجموعتيه «الفارس الآتي إلينا» و«سنوات الحب والموت». فإذا نظرنا إلى القصة التي عرضنا لها، فإننا نجد أن البطلة «نعيمة»، والاسم له دلالة ذات مغزى؛ فالنعيم هنا مؤقت، يتمثّل في الجمال، وإقبال الرجال، والزمان يمثل السيف المرفوع فوق هذا النعيم المؤقت، الذي من الممكن أن يكون نعيماً آخر بالاختلاط مع الناس، وعدم التكبر، والإقبال على الحياة.
ـ والبطلة / الضد «نبوية» رغم فقرها من الجمال، تتزوّج، وتنجب، وتُشارك في الحياة، وتُعيد الإشراق إلى «نبوية»، ومعه الحياة والأمل.
واختيار الاسمين له دلالة كبيرة فهو يبدأ بالنون، فكأن النون (الصوت الواحد) قد يعني النعيم أو يعني الجحيم إذا اختلفت الأجرام.
وكأننا يجب علينا ألا ننخدع بظواهر الأشياء.
فـ«نعيمة» جمالها جفاف، وعدم تواصلها مع الآخرين جحيم لم تدر كنهه حينما كانت تنعم بالجمال، وعلى الرغم من عُقم «نبوية» ـ التي يحمل اسمها دلالات دينية ـ وفقرها من الجمال، إلا أنها غنية بروحها الشفاف وقدرتها المعطاء، واستطاعتها تجاوز أحزانها وحرمانها.
الثانية: يُمكننا ـ بوجه آخرـ أن نعد «نبوية» هي البطل الحقيقي، حيث تُواجه بالمثبطات، فلا تضل ولا تنحرف عن الطريق وتواصل طريقها الخيِّر في الحياة، ولا تعبأ بمن يقفون في طريقها.
ويمثل ذلك أيضاً «الشيخ» في قصة «ثأر الموتى» الذي ناصبه «العمدة» العداء السافر، والمطاردة القاسية، ولكن «الشيخ» يأتي ليرى «العمدة» وهو يعاني المرضَ وينتظر الموت(1).
و «الأستاذ» في قصة «مسافر في دائرة الزمن» الذي لا يعبأ بعقمه وعدم إنجابه، فقد أنجب ثلاثين كتاباً «ستكون مفخرة للفكر الإنساني»(2) وهكذا تستطيع «نبوية» أن تنتصر على نفسها، وتلتقي بـ«نعيمة»، حيث يلتقي الأبيض بالأسود، أو يواجه الخير الشر، وينتصر الخير في النهاية!
الثالثة: يؤخذ على الرؤية سطحيتها؛ حيث يقسم الكاتب عالمه إلى أشرار وخيرين،
وينحاز هو بالطبع إلى عالم الأخيار، عالم (نبوية) ـ الشخصية البيضاء ـ في مواجهة (نعيمة) الشخصية السوداء.
«وتصوُّر الشخصية على هذا الصورة يُذكرنا بالصورة التي كان يتحدث بها الشاعر العربي الكلاسيكي عن شخصياته، وبخاصة في غرضي المدح والهجاء؛ ففي غرض المدح يُضفي على الشخصية الممدوحة مجموعة من الصفات المثالية لخصها بعض النقاد في العدل والكرم والشجاعة والعفة والعقل. والشخصية المهجوة توصف بمجموعة من الصفات المثالية التجريدية التي تصل بها إلى قمة السوء، وتلخص في النقيض المماثل لصفات الممدوح (3).
والشخصيات في واقع الحياة «أكثر تنوعاً وخصوبة من أن توضع في إطار جامد تحدده مجموعة من الصفات الجامدة المثالية، وأن الخير والشر في الإنسان نسبي، ولا يُمكن نسبتهما إليه نسبة مطلقة. وإن كل إنسان يعيش داخل نفسه في معركة مستمرة بين مجموعة من القيم والميول » (4).

ولعلَّ القاص تخلص من بعض ملامح هذا التقسيم الصارم بين الخير والشر من خلال موقفين في القصة: أولهما انتصر «نبوية» على نفسها، وذهابها لرؤية «نعيمة»، وهي تُصارع الوحشة والظلام والمرض، والثاني قدرتها على إعادة البسمة إلى وجه نعيمة، وفتح نوافذ الحجرة المُغلقة ـ أي جعل «نعيمة» قادرة على تخطي أسوار ذاتها.
الرابعة: لا يُمكننا أن نُغفل قدرة القاص على القصِّ من خلال استعمال أدواته، ومنها الوصف الذي كشف من خلاله عن شخصيتي البطلين وماضيهما، وصور الواقع الذي يعيشان فيه، ومنها الحوار، حتى لو اشتركت فيه شخصيات ثانوية ويبدأ به القصة «اشتد المرض على نعيمة ... ولا أمل في شفائها»(5)، حيث سمعته من النسوة، وحر كها صوتُ جارتها «شدي الحبل لأنها لا تستطيع الخروج»(6)، حيث أضافت لتصوير البطلة جانب عدم القدرة، والوحدة، والمرض.
كما كان هذا الحوار الممتع ـ بين البطلتين، الذي نقلناه آنفاً ـ والذي يُصور المواجهة، ويُحدث التغيير الذي وصل إلى النهاية المُشرفة الآمنة التي تكشف عن كاتب محب للحياة، وينحاز إلى البسطاء، ويكره الجمود، ويعمل من أجل أن يكون التغيير للأفضل ممكناً.
الخامسة: لما كانت الأداة هي اللغة، ينبغي أن نشير إلى أن قصص بهي الدين عوض ـ ومنها هذا النموذج ـ تمناز بجمال الأسلوب وإشراقه، وهو يهنى في كتابته بالكثرة من الصفات الشاعرية الرقيقة التي ترسم جوَّ قصته، ويحافظ على الفصحى في حواره، ولكنها فصحى مبسطة، تقترب من روح الأشخاص المتحاورين ومستواها الفكري والنفسي، كما لاحظنا في الحوار الجيد بين «نبوية» و«نعيمة».
ويتصل بالأسلوب ميله إلى استخدام الاستعارة الدالة المعبرة، التي تكشف من خلال واقعيتها عن الجو النفسي وتُسهم في إثراء المشهد القصصي، مثل قوله عن «نبوية» حينما دخلت بيت «نعيمة»: «استقبلتها أعشاش العناكب، اندفعت فئران راحت تهيم في الفناء الواسع». والاستعارة هنا تكشف عن مفارقة جديرة بالتأمل، لهذه المرأة الجميلة، المُطاردة بالعشاق الكثيرين سابقاً، والمريضة والوحيدة الآن.
السادسة: تكشف قصة «بدء التكوين الآخر» وكل قصص هذه المجموعة عن كاتب ذي طابع إنساني، يتعاطف تعاطفاً حانياً مع البسطاء والتعساء الذين قست عليهم ظروف الحياة فحرمتهم سعادة القلب دون أي ذنب (ومنهم شخصية «نبوية»)، بينما هم ـ رغم حظهم العاثر وقدرهم القاسي ـ يحاولون العطاء وتجميل الحياة، وصنع الخير وتقديمه حتى تصير الحياة ممكنة وجيرة بالحياة رغم ما فيها من شرور وآثام.
الهوامش:
(1) السابق، ص76.
(2) السابق، ص55.
(3) د. عبد المحسن طه بدر: تطور الرواية العربية الحديثة في مصر (1870-1938)، ط2، دار المعارف، القاهرة 1968م، ص160.
(4) السابق، ص160.
(5) بهي الدين عوض: ثأر الموتى، ص57.
(6) السابق، ص59.

  رد مع اقتباس
قديم 2009-11-04, 11:26   رقم المشاركة : ( 4 )
عبد الرزاق بادي

:: مشرف سابق ::


الصورة الرمزية عبد الرزاق بادي





علم الدولة Algeria



عبد الرزاق بادي غير متصل

شكرا لك صديقي على هذا التقديم المستفيض، وعلى الجهد المميز الذي عهدته فيك
بوركت صديقي

  رد مع اقتباس
قديم 2009-11-04, 18:36   رقم المشاركة : ( 5 )
د. حسين علي محمد

أمـــل الشامل


الصورة الرمزية د. حسين علي محمد





علم الدولة Egypt



د. حسين علي محمد غير متصل

شكرا لك صديقي على هذا التقديم المستفيض، وعلى الجهد المميز الذي عهدته فيك
بوركت صديقي

شُكراً للأديب المبدع عبدالرزاق بادي
على المشاركة بالتعليق،
مع تحياتي.

  رد مع اقتباس
قديم 2010-03-02, 10:46   رقم المشاركة : ( 6 )
شاهين اباظه
موقــوف

الصورة الرمزية شاهين اباظه





علم الدولة Iraq



شاهين اباظه غير متصل

شكراً لك دكتور حسين على هذا التقديم

  رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الجمال ام الدين أم كلاهما . مصعب منتدى المواضيع العـامة 6 2010-08-01 22:57
شعار ديننا.....الدين النصيحة... شمس الدين 03 المنتدى الإسلامى العام 6 2009-02-20 12:08
الحين ( هاذي بنت ولا ولد) مراد16 منتدى الصور المنوعة 4 2008-09-10 15:32

RSS 2.0 - XML - HTML - MAP
الساعة الآن 02:59.

 

جميع الحقوق محفوظة © منتديات الشامل 2005-2019
جميع ما ينشر في المنتدى لا يعبر بالضرورة عن رأي المنتدى أو إدارته و إنما يعبر عن وجهة نظر كاتبه
Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd